ابن تيمية

120

مجموعة الرسائل والمسائل

الحوادث إن كان ممكناً كان القول الصحيح قول أهل الحديث الذين يقولون لم يزل متكلماً إذا شاء ، كما قاله ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة السنة ، وإن لم يكن جائزاً كان قولنا هو الصحيح ، فقولكم أنتم باطل على كلا التقديرين . فإن قلت : أنتم توافقوننا على امتناع تسلسل الحوادث وهو حجتنا وحجتكم على قدم العالم ، قلنا لكم : موافقتنا لكم حجة جدلية ، وإذا كنا قد قلنا بامتناع تسلسل الحوادث موافقة لكم وقلنا بأن الفاعل للشيء قد يخلو عنه وعن ضده مخالفة لكم ، وأنتم تقولون : إن قيل بالحوادث لزم تسلسلها وأنتم لا تقولون بذلك ، قلنا : إن صحت هاتان المقدمتان ونحن لا نقول بموجبهما لزم خطؤنا إما في هذه وإما في هذه ، وليس خطؤنا فيما سلمناه لكم بأولى من خطئنا فيما خالفناكم فيه ، فقد يكون خطؤنا في منع تسلسل الحوادث لا في أن القابل للشيء يخلو عنه وعن ضده ، فلا يكون خطؤنا في إحدى المسألتين دليلاً على جوابكم في الأخرى التي خالفناكم فيها ، أكثر ما في هذا الباب أن نكون متناقضين والتناقض شامل لنا ولكم ولأكثر من تكلم في هذه المسألة ونظائرها ، وإذا كنا متناقضين فرجوعنا إلى قول نوافق فيه العقل والنقل أولى من رجوعنا إلى قول نخالف فيه العقل والنقل . فنقول : إن كون المتكلم يتكلم بكلام لا يتعلق بمشيئته وقدرته ، أو منفصل عنه لا يقوم به ، مخالف للعقل والنقل ، بخلاف تكلمه بكلام يتعلق بمشيئته وقدرته قائم به فإن هذا لا يخالف لا عقلاً ولا نقلاً ، لكن قد نكون ممن نقله بلوازمه فنكون متناقضين ، وإذا كنا متناقضين كان الواجب أن نرجع عن القول الذي أخطأنا فيه لنوافق ما أصبنا فيه ، لا نرجع عن الصواب ليطرد الخطأ ، فنحن نرجع عن تلك المناقضات ونقول بقول أهل الحديث . فإن قلتم : إثبات حادث بعد حادث لا إلى أول قول الفلاسفة الدهرية ؟ قلنا : بل قولكم أن الرب تعالى لم يزل معطلاً لا يمكنه أن يتكلم بشيء ولا أن يفعل شيئاً